المقريزي
368
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
من القصر ، فصاح فرعون مستغيثا بموسى عليه السلام ، فزجر موسى التنين فانعطف ليبتلع الناس ، ففرّوا كلهم من بين يديه ، وانساب يريدهم . فأمسكه موسى وعاد في يده عصا كما كان ، ولم ير الناس من تلك المراكب وما كان فيها من الحبال والعصيّ والناس ، ولا من العمد والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أضه أثرا . فعند ذلك قالت السحرة : ما هذه من عمل الآدميين ، وإنّما هو من فعل جبار قدير على الأشياء . فقال لهم موسى : أوفوا بعهدكم وإلّا سلطته عليكم يبتلعكم كما ابتلع غيركم ، فآمنوا بموسى وجاهروا فرعون وقالوا : هذا من فعل إله السماء وليس هذا من فعل أهل الأرض . فقال : قد عرفت أنكم قد واطأتموه عليّ وعلى ملكي حسدا منكم لي ، وأمر فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبوا ، وجاهرته امرأته والمؤمن الذي كان يكتم إيمانه ، وانصرف موسى فأقام بمصر يدعو فرعون أحد عشر شهرا ، من شهر أيار إلى شهر نيسان المستقبل وفرعون لا يجيبه ، بل اشتدّ جوره على بني إسرائيل واستعبادهم واتخاذهم سخريا في مهنة الأعمال ، فأصابت فرعون وقومه الجوائح العشر ، واحدة بعد أخرى ، وهو يثبت لهم عند وقوعها ويفزع إلى موسى في الدعاء بانجلائها ، ثم يلح عند انكشافها ، فإنها كانت عذابا من اللّه عز وجلّ ، عذّب اللّه بها فرعون وقومه . فمنها أنّ ماء مصر صار دما حتى هلك أكثر أهل مصر عطشا ، وكثرت عليهم الضفادع حتى وسخت جميع مواضعهم وقذرت عليهم عيشهم وجميع مآكلهم ، وكثر البعوض حتى حبس الهواء ومنع النسيم ، وكثر عليهم ذباب الكلاب حتى جرّح أبدانهم ونغص عليهم حياتهم ، وماتت دوابهم وأغنامهم فجأة ، وعمّ الناس الجرب والجدريّ حتى زاد منظرهم قبحا على مناظر الجذميّ ، ونزل من السماء برد مخلوط بصواعق أهلك كل ما أدركه من الناس والحيوانات . وذهب بجميع الثمار ، وكثر الجراد والجنادب التي أكلت الأشجار واستقصت أصول النبات ، وأظلمت الدنيا ظلمة سوداء غليظة حتى كانت من غلظها تحسّ بالأجسام ، وبعد ذلك كله نزل الموت فجأة على بكور أولادهم بحيث لم يبق لأحد منهم ولد بكر إلّا فجع به في تلك الليلة ، ليكون لهم في ذلك شغل عن بني إسرائيل ، وكانت الليلة الخامسة عشر من شهر نيسان سنة إحدى وثمانين لموسى ، فعند ذلك سارع فرعون إلى ترك بني إسرائيل ، فخرج موسى عليه السلام من ليلته هذه ومعه بنو إسرائيل من عين شمس ، وفي التوراة أنهم أمروا عند خروجهم أن يذبح أهل كل بيت حملا من الغنم إن كان كفايتهم ، أو يشتركون مع جيرانهم إن كان أكثر ، وأن ينضحوا من دمه على أبوابهم ليكون علامة ، وأن يأكلوا شواه رأسه وأطرافه ومعاه ولا يكسروا منه عظما ، ولا يدعوا منه شيئا خارج البيوت ، وليكن خبزهم فطيرا . وذلك في اليوم الرابع عشر من فصل الربيع ، وليأكلوا بسرعة وأوساطهم مشدودة وخفافهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم ، ويخرجوا ليلا . وما فضل من عشائهم ذلك أحرقوه بالنار ، وشرّع هذا عيدا لهم ولأعقابهم ، ويسمى هذا عيد الفصح ،